العطار الإسرائيلي ( داوود بن أبي نصر )
235
منهاج الدكان ودستور الأعيان في أعمال وتراكيب الأدوية النافعة للأبدان
وتكسب من حركاتهم ، ولا تعاشر الأشرار ، فتتعلم منهم قال الشاعر : وقارن إذا قارنت حرّا فإنما * يزين ويزري بالفتى قرناؤه اجعل القرناء غلمانك بالعطاء ، وأصدقاءك بالهدية ، وأقاربك بالتودّد ، وكذلك غلمان الولاة ، وكذلك كل من له عليك حق أو أمر وده وداره كما يداري المرء عينه الرمدة ، ولا تغتر به إن شكرك ، ولا تؤاخذه إن شتمك فإن صحبتك مع الناس كصحبة المرأة مع زوجها إن رأت خيرا شكرت ، وإن رأت غيره نفرت وتغيرت ، وإذا أردت أن تتعلم من إنسان مسألة أو معرفة دواء أو صنعة أو علما كنت به جاهلا أو أي شيء كان دنيوي أو أخروي ، فاعترف بحقه والتزم مكارمته ، وإذا علمته شيئا فلا تمن عليه بل علمه كأنك تتعلم منه إلا إن كان رديء الطباع قليل الاعتراف بالخير ولا تلق الناس بوجه قبيح عبوس فتكره ، ولا بوجه ضاحك بغير سبب فتسترعن بل بوجه مسفر كأنه وجه سرر ، وإياك أن تهزل مع أحد وإن كان ذلك لضرورة فمع من تثق به من محبيك وأصدقائك قال الشاعر : أرح طبعك المكدود بالجد ساعة * يراح وعلّله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن * قليلا كما يعطى الطعام من الملح فإن كثرة المزاح تسلب البهاء وتكدر الصفاء ، قال الشاعر : مازح صديقك إن أحب مزاحا * لا تكثرن عشية وصباحا فلربما فرح الصديق بمزحة * كانت لباب جفائه مفتاحا ولا تكثر الكلام في البيع والشراء وزن كلامك قبل أن يخرج من فيك ، وإذا كتبت لأحد ورقة فأكثر التأمل فيها فإنها عقلك مختومة بخاتمك ، ولا تستقل بأحد ولا تزدريه ولا تضن بنفسك ، وإياك والعجب والكبر والتعاظم بنفسك ، ولا تقل أنا ، فمن قال أنا وقع في العنا . واعلم أن الادعاء دليل على الجهل واعترافك بنفسك أنك عاجز يدل على عقلك ، وكلما ازداد الإنسان علما انحطت نفسه عنده وعلم قدره غيره ، ولا تتكلم قدام العلماء إلا بسؤال عن علم أو جوابا عما سئلت عنه ، وإذا حضرت مجالس الأجلاء فاقعد في أخريات الناس ، والزم الصمت ، وأظهر المكارم ، وإذا حضرت مع الأمثال والأدوان فتأدب معهم ، فإنهم يكرمونك ويجلونك في الصدور ولا تفتخر بين الناس بالكسب أو بالمبيع أو بالمال أو بالمعرفة أو بالجاه أو بالنسب أو بالقوة أو بالكرم فتمقت وتكره وتقصد بالأذى ، وربما عمل عليك وهلكت . وبالجملة من اتضع ارتفع ، ولا تتكلم في عرض أحد بما فيه فيتكلم في عرضك